محمد سعيد رمضان البوطي

56

فقه السيرة ( البوطي )

هذه الأمور تتساقط تلك الآفات اللاحقة بالنفس ويحيا القلب بنور العرفان والصفاء ، فلا يبقى لعكر الدنيا من سبيل إلى تكدير مرآته . وشيء آخر له بالغ الأهمية في حياة المسلمين عامة وأرباب الدعوة خاصة : هو تربية محبة اللّه عز وجل في القلب ، فهو منبع التضحية والجهاد وأساس كل دعوة متأججة صحيحة ، ومحبة اللّه تعالى لا تأتي من مجرد الإيمان العقلي به ، فالأمور العقلانية وحدها ما كانت يوما ما لتؤثر في العواطف ، والقلوب ، ولو كان كذلك ، لكان المستشرقون في مقدمة المؤمنين باللّه ورسوله ، ولكانت أفئدتهم من أشد الأفئدة حبا للّه ورسوله ، أو سمعت بأحد من العلماء ضحّى بروحه إيمانا منه بقاعدة رياضية أو مسألة من مسائل الجبر ؟ ! . وإنما الوسيلة إلى محبة اللّه تعالى - بعد الإيمان به - كثرة التفكير في آلائه ونعمه والتأمل في مدى جلاله وعظمته ، ثم الإكثار من ذكره سبحانه وتعالى بالقلب واللسان ، وإنما يتم كل ذلك بالعزلة والخلوة والابتعاد عن شواغل الدنيا وضوضائها في فترات متقطعة متكررة من الزمن . فإذا قام المسلم بذلك وتهيأ له أداء هذه الوظيفة ، نبتت له من ذلك في قلبه محبة إلهية عارمة ، تجعله يستصغر كل عظيم ، ويحتقر كل مغرية من المغريات ، ويستهين بكل إيذاء وعذاب ، ويستعلي فوق كل إذلال أو استهزاء ، فتلك هي العدة الكبرى التي ينبغي أن يتسلح بها الدعاة إلى اللّه ، وتلك هي العدة التي جهز اللّه بها حبيبه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بأعباء الدعوة الإسلامية . ذلك لأن الدوافع الوجدانية في القلب من خوف ومحبة ورجاء تفعل ما لا يفعله الفهم العقلي المجرد ، ولقد أجاد الشاطبي رحمه اللّه حينما فرق في هذه الدوافع بين عامة المسلمين الذين دخلوا في ربقة التكاليف بدافع من عموم إسلامهم ، وخواصهم الذين دخلوا في ربقة هذه التكاليف يسوقهم ما هو أشد من مجرد التعقل والفهم ، يقول : ( فالضرب الأول حاله حال من يعمل بحكم عهد الإسلام وعقد الإيمان من غير زائد ، والثاني حاله حال من يعمل بحكم غلبة الخوف والرجاء أو المحبة ، فالخوف سوط سائق ، والرجاء حاد قائد ، والمحبة تيار حامل ، فالخائف يعمل مع وجود المشقة ، غير أن الخوف مما هو أشق يحمل على الصبر على ما هو أهون وإن كان شاقا ، والراجي يعمل مع وجود المشقة أيضا ، غير أن الرجاء في تمام الراحة يحمل على الصبر على تمام التعب ، والمحب يعمل ببذل المجهود شوقا إلى المحبوب ، فيسهل عليه الصعب ويقرب